Excerpt for الأطياف الناطقة by , available in its entirety at Smashwords

خيرية فتحي عبد الجليل













الأطياف الناطقة



رواية

(1)

تدور أحداث هذه الرواية في مدينة شاهقة العراقة ، تجري وقائعها ذات زمن بائس لا يمكن وصف سماء المدينة بطلاقة أو التحدث عن شمسها بفصاحة تامة أو النيل من قمرها الباهت ولا يمكن وصف ليلها أو نهارها ، تقع أحداث هذه الرواية في مدينة لا يمكن التكهن بطقس وتقلبات قلوب أهلها أو وصف ملامح أبطالها ، ذلك لأنهم أبطال أصبحوا ذات ليلة دامسة بليدة باهتة بلا ملامح ، ومدينة تحولت ذات شتاء بلا طقس أو تضاريس أو مناخ ، تقع أحداث هذه الرواية في مدينة البيضاء الجبلية ، تلك المدينة الليبية العريقة في شتاء عام 2016 م على بُعد 5 سنوات من عام النكبة ، تلك النازلة التي طمست ملامح العباد والبلاد وعاثت فساداً في الأرض والسماء وحورت طبيعة الأشياء ، لعبت وعبثت وطالت وتطاولتْ ومسختْ ، ومسحت ، مسحت كل شيء .

جعلتنا تلك النازلة نشد على قلوبنا وذاكرتنا وأرواحنا حتى لا تتسرب هويتنا الغالية ، هكذا نحن الصفوة التي لزمت ديارها خشية الفتنة الكبرى .

الظلم والظلمات شبحان يهيمنان على الشوارع ويختبئان بين الأزقة ، يرافقان المارة في الحواري والطرقات يقومان بزرع الدسائس ورشق الفتن تحت سطوة برلمان وحكومة لا كرامة لهما ولا سلطان .

لا سيولة مالية في المصارف ، لا كهرباء ، لا غاز لطهي الطعام ، ارتفعت الأسعار بشكل أثقل كواهل الرجال ، غاب رغيف الخبز فساءت أخلاق الناس .

لم نكن شجعانا بما يكفي لإشعال فتيل ثورة حقيقية ، وقفنا خلال هذا الشتاء من عام 2016م في المنتصف ننتظر اللحظة المناسبة نرتجف خوفاً وبرداً بين صقيع سبتمبر وزمهرير فبراير ، لم نكن شجعاناً بما يكفي لعبور فبراير ولا أبطالاً نبلاء نعترف بالخطيئة ونرجع إلى سبتمبر.

نحن الصفوة التي لزمت ديارها خشية الفتنة الكبرى ، هل نجد مخرجاً بعد أن شبعنا جوعاً ويأساً ومرضاً ، هل نجد مخرجاً بعد أن شبعنا خذلانا ووخزياً وعاراً ، وأنا معلمة الحاسوب مربية الأجيال أنا الكتابة لهذه السطور لماذا لم أجد مخرجاً ساعة وقفت أرتعش من شدة الخوف ، أقسم بالله في تلك اللحظة بالذات كنت أرتجف من شدة العار أكثر من ارتجافي من شدة الخوف واحدهم يقف مسددا رمانته في وجه مديرة المدرسة مهدداً أنه سينتقم ويفجر المدرسة إذا لم نقوم بحل امتحان الحاسوب للشهادة الثانوية عام 2012م على بُعد عام واحد من النكبة .

، نحن الصفوة لم ننشق عن النظام السابق ولم نؤيد النظام السابق ولم نخرج في فبراير ، لم نكن من رعايا ملك الأمس ولا من أتباع مشيرات اليوم ، كان صمتنا أكبر من جريمة

تمر هذه الأحداث في غفلة من الأوضاع المتردية في البلاد ، و هبوط أسعار النفط ، وصراع أكثر من حكومة على السلطة ، حكومة منبثقة عن مجلس النواب قائمة في شرق البلاد وحكومة الإنقاذ المنبثقة عن المؤتمر الوطني مهيمنة غرب البلاد ، تدور هذه الأحداث مع انخفاض قيمة الدينار الليبي بشكل ملحوظ وارتفاع الدولار ، تجري هذه الأحداث تحت جنح ليل حالك السواد في زمن لا يمت بأية صلة إلى زمننا العادي والمألوف و مكان لا أبعاد له رغم أنه يقع داخل المدينة الغارقة في وهم وغبار وضباب ، المدينة التي يكتنفها الضباب والصقيع والوجع ، أبطال هذه الرواية أطياف بلا ملامح ، لا وجود مادي ملموس لهم ، ليسوا من عالم نتحسس الطريق إليهم باللمس ، أو الشم أو التذوق ، ولا هم من العالم الافتراضي الموجود أصلاً .

تأتي هذه الأطياف مع تردي الوضع الصحي في المدينة وانتشار الأمراض وغياب أدوية القلب و التطعيمات ، تأتي مع هجرة حوالي 90 % من الأطباء الأجانب وتركهم البلاد بسبب نقص السيولة ، تأتي هذه الأطياف وتهيمن على الجسد والقلب والروح حيث حرارة ارتفاع ثمن الدواء الباهظ أعلى بكثير من حرارة الجسد المحموم وحيث تفضل مصارعة المرض اللعين على أن تقف أمام بائع الدواء الذي تجرد من إنسانيته ، تقف مهزوماً تحفر نظراتك وتهيم في الأرض خالي الوفاض والجيب إلا من دمعة مخنوقة لا تدحرجها إلا وأنت خارج المكان مريضا مقهوراً بلا كرامة أو دواء .

عندما تتقطع بك السُبل ، عندما تمسح المكان بعينين زائغتين مليئتين بالدموع ونظرة استجداء فلا تجد إلا السراب ،

عندما تسُد المنافذ والطرق على أبجدية عاشقة ، عندما يتعثر الكلام وتختلط التأتأة بالدموع وتخذلك العبارة ويغوص نصف الكلام في الحلق وتتباطأ الخطوات ، ترتبك وتنكسر أمام المسارات المفروضة والمسارب المزروعة بعلامات الحذر والتوقف والشك والسؤال ، تقف في المفترق تجد نفسك في مهب ريح ولا من معين ، عندما تتوسل وتدعو وتستنجد فلا يستجيب سوى صدى نشيج حنجرتك الباكي ، وتكون لحظات الفرح مصادفة قد تأتي وقد لا تأتي ، عندما تشتاق وتموت اشتياقا للحظة نادرة لا تأتي وزمن فات ، عندما يتقاسم أطفالك كسرة خبز ، وتنكسر نظرتك أمام طوابير البشر ، يطاردك لهاث طفلك المريض الجائع أمام باب الجامع ، تستدير عائداً ، تطلق صرختك ولا تدخل للصلاة ، تخجل من الله ومن الوقوف خلف إمامٍ ملطخ الثوب بالنفاق ، تتمنى أن تقتل صوت الخطيب المتلون ببحة شك، عندما تتأبط العجائز الفراغ وتستجدي الأمهات دفء الأرصفة ، ولا تسمع إلا صوت التمتمة في زمن البوح والكلام .

عندما تبحث عن مكانٍ للصلاة فلا تجد ، كل الأرض ملطخة بماء طهر كاذب .

تأكد أن لا وطن لك فأرحل.

وكان الرحيل الفاجع توغلاً في الزمان وسفراً للروح على بُعد كم هائل من السنوات الضوئية البعيدة التي لا يمكن أن تقاس بوحدة زمننا العادية ، لا هي قبل الميلاد ولا بعده ، على بُعد كم هائل من سنة ميلاد هذا الظل الذي يشاكسني في هذا الزمن اللعين بل ويعبث بي ليلاً رحلت وتوغلت في مسافة زمنية شاسعة .

يأخذني هذا الظل بعيداً ، يأخذني على بُعد هذا الارتفاع الشاهق من السنوات ، يأخذ بيدي ويجرني بعيداً عن ما يدور في زمن الربيع المنكوب للوطن ، يرتسم ، يهتز على جدار غرفتي ، يهتز طرباً لجهلنا وغباءنا ، يسخر من تأخر معارفنا ، يشمئز من قلة تدبرنا وضيق حيز مداركنا ، أدير ظهري ناحية حائط غرفتي اللبني الملاصق لسريري ، أستدير كي أواجه هذا الظل ، هذا الطيف شديد الشفافية فيئز السرير تحت ثقل جسدي المرهق وتنتبه والدتي ، تقطع تراتيل المساء ، تنظر إلىّ في شفقة ، تتنهد ، تسأل عن حالي فأجيبها

- أنها معدتي ، الحموضة كالعادة ، سأكون بخير .

أتحسس الحائط بسبابتي المرتعشة فيهرب الطيف ساخراً ، وتهطل رسائله الهاتفية شامتة ، يهبط عليّ في قسوة وتهطل رموزه وإشاراته الهاتفية في غزارة .

كان طيفاً أنيقاً وجذاباً ،نحيلاً وطويلاً ، ينسل في هدوء ويتدحرج بسهولة يغادر حائط غرفتي ويغمرني ، أحسه بلا جسد ، أنامله تجس أشيائي دون رحمة وتجوس متجولة في أعماقي بلا هوادة .

كان ينحت في أعماق ذاكرتي أثار زمنه الآتي من خلف ردهات ملايين السنين القادمة .

قبل رحيله الليلي و نهاية الزمن المقرر لزياراته المتكررة يزرع هذا الطيف في روحي أعتق المنافذ وأنفس ما كتبه لقاء حار على جدار زمن ما ، قبل الرحيل يترك هذا الشبح في جوف ذاكرتي كلمات وفي حنجرتي صوتاً يتسلل ليلاً يتوحد مع الريح ليصل ، يتفحص المكان ، يقف على مقربة من زمن اللقاء ، يعانق ما تبقى من آثارنا ليعلن وقوعي عشقاً في شباك هذه الأطياف .

ظهر لي أول مرة عند منتصف الليل بعد وفاة والدي بأيام ، وقتها ، ظللت أرتجف رعباً ، حدقت كثيراً في الظلام وتفرست في جدران غرفتي ، فتحت عيني ثم أغلقتهما عدة مرات ، هل ما أراه حقيقة أم أنه جزء من خزعبلات الخيال الجامح ، راح الطيف يتمتم بكلام غامض غير مفهوم ثم اختفى وظل هاتفي يرن رنيناً متواصلاً ورقم محلي غريب يتصدر شاشة هاتفي الجوال ورسائل هاتفية تهطل بغزارة .

- مع إطلالة الساعة (25) تعانق الأطياف الناطقة براح بوحها الساحر انسياباً وإبحاراً و انصهاراً لتنسج حلماً يحطم سراب المستحيل .

اهتز جهازي الصغير تحت وسادتي هطلتْ رسالة أخرى غامضة تحمل إشارة لم افهم منها شيئاً

- تحرروا من براثن ثقافتكم الملوثة .

ظللتُ أرتجف طويلاً تلك الليلة ، حابسة أنفاسي أحملق في الفراغ ، لكنني أخير هدأت ، سكنتْ نفسي واستسلمت له ، سقطتُ إلى الداخل ، تشبثتُ بأغطيتي ، تدثرت ، غصت في سريري ، ثم غمرتني سكينة مفاجئة ، تمددتُ ببطء ، شعرت بدفء لذيذ غامض ، أغمضت عيني ، تنهدتُ ، غرقت في غيبوبة لم أعرف مثيلاً لها طيلة حياتي وسلمتُ له طائعة ، سلمتُ في كل ما أملك .

عند الفجر عادة ما ينتبذ زاوية قصية ، ظلاً يتسلل خلسة ، يتسرب من شق النافذة ، يجلس القرفصاء عند حافة سريري ، يسهر على راحتي ، يمسح بيد محسوسة على رأسي ، ينفث أنفاسه متفقداً جبيني ووجهي بشفاه عاشقة ، ناطقة ، يتلو متمتماً أحدى قصائده الغامضة وكنت أتمنى أن لا تنتهي عذوبة اللحظة .

ذات ليلة تخلصتْ ذاكرتي من آثار زمنه القادم وعادتْ بي الذكريات إلى زمن جدّتي النبيل .
كانت جدتّي تنقش مسارب كثيرة للفرح فوق خطوط حناء يدها وكانت تخضبها برائحة الوطن وأنا الحفيدة الجاثية بمحاذاة مخدعها العتيق ، أتتبع المسارب ذاهلة ، فاغرة الفم والذاكرة .

ساعة الولادة المبكرة

 كانت نظرات الجدة الصارمة قادرة على إقناع العالم بالحق الخالد لي في البقاء ، حضنها كان يتسع ويفيض ومخدعها المصنوع من الصوف كان أكثر دفئاً من أي حاضنة طبية متطورة في العالم ، قطرة الماء المشبعة بالسكر كانت تغني عن كل وجبات الأطفال ولحوسات الصيادلة . قطرة الماء المشبعة بالسكر كانت مشبعة بالحنان والعافية،مخدع الجدة كان براحاً للتأتأة والمناغاة والمناجاة. بعد الزمن النبيل عشتُ ولا زالتُ أعيش سلسلة من الصراعات والحروب من أجل إثبات وجودي في الحياة ، منذ لحظة الميلاد تعلمت ألف باء التشبث صارعت من أجل فهم معنى التمسك والتعلق ، استعملت الأسنان واليدين والفكين والرجلين وحتى المخالب ، رضعت معنى إثبات الوجود مع أول قطر ماء نزلت مع قطعة الصوف المشبع بالماء والسكر ، ساعة الولادة قرأت الرفض والجحود والنكران والتخلي في عيون المحيطين إلا الجدّة .

 























(2)

27-11 - 2015 م ... الجمعة ... البيضاء - ليبيا

أعلم أن الورقة تنكمش ، وأن الحبر يجف يفر من محبرتي وأعلم أن أبجديتي تغيب واللغة تضيق ، التأتأة تعتلي عرش الكلام ، يرتعش الجسد ، تتساقط الذكريات الدفينة ، تهفو ، تتشظى ، تتشتت تتوه عندما يكون البوح عنه .

أجلس إلى طاولتي ، على غير أهبة أكتب ، كلمات تلتهم المسافات ، هاهو وطني يمتد أمامي ، مدنه ، شوارعه ، أزقته ، أسواقه الشعبية وزيه الأنيق.

أنا امرأة أحمل في دم ذاكرتي انتماء إلى برقة ، و انتسب من جهة النبض إلى فزان ، ولا أخرج عن جذور عروقي المدسوسة منذ القدم في طرابلس.

أينما وطئتا قلمي وسبابتي أسترد جزء من وطني الممزق على الورق لأنفث عزاً وبطولات ومجداً قديماً .

أجاهد لأكتب لأعبر إلى العمق ، أحاول استحضار مدنه من أرض موغلة في النسيان ، ليبيا لا مكان لها على خارطة الفرح الآن ، أي زمن رديء هذا ؟!

أتناول هاتفي ، أضبط إعداداته في وضع الطيران ، أنعزل عن العالم لأكتب ، أرتشف من كوب الشاي الموضوع أمامي ، أرتشف بنشوة ، أي سحر في هذا الكوب ، لا تكتمل طقوس بوحي إلا به ، أحياناً أضع كوبين بين أوراقي المتناثرة ، الأخر بنكهة النعناع ، أرتعش لمجرد وجود هذا السائل الذهبي أمامي ، أعشق احتساءه ببطء ، كل قطرة كون هائلا من الكلام المدسوس الهامس سراً وسحراً .

تسترخي تلك الساحرة الأفريقية بكسل بين زر الكيبورد وسبابتي العاشقة ، تلك الأنثى الفاتنة تباغت قريحتي بسحر باذخ لا يتكرر ، يتعثر لها قلبي بين الورق ، للوهلة الأولى تمسك بتلابيب قلمي فيجر أسمها حباً ويدسّها " ليبيا " بين الكلمات فأعبر إلى النوم مثل خيال مبهم بين الحروف ، أنام بين اللام والألف الممدودة في أخر الكلمة .

ثمة أشواق شاسعة كبيرة متدثرة بأوراقي القديمة ، رحلة بوح طويلة تجر أذيال الماضي بصعوبة بالغة تنتهي إلى سنوات مضت ، كنت خلالها أكثر جدارة بصحبة القلم وبصحبة جدة يفوح من جدائلها شذى الحنين ، وكوب الشاي المعتق بالنعناع وبأشياء أخرى صغيرة كانت لي وحدي دون غيري من العالمين .
عندما تستبد بي حمى البوح أدفن رأسي في حضن جدتي العجوز وأبكي ، أنام على ركبتيها ، وعندما تمسح على شعري الأسود المسترسل بيدها الكريمة ينهمر الكلام دون توقف ، بعد وفاتها هجرت الكتابة طويلاً ، هذا الهجران كبدني خسائر فادحة في أرواح كلماتي وأمراض لغوية لا نهاية لها .
كنت أعتقد أن الكون صغير لا يتسع لقول كل الكلام المكتظ والمنهمر دون توقف من سن قلمي الأزرق ، وأن شهوة الكتابة الهادرة في أعماقي سيل أزرق لا ينقطع ، وأن من عادة الكلمات أن تنحني ونرضخ وتستسلم وتنكسر لتتشكل من جديد تحت خطوات سن قلمي الحادة .
أعوام متلاحقة مرت قبل أن أسترد أنفاسي وأستوعب فكرة موت جدتي ، أعوام كثيرة متلاحقة مرت قبل أن أتعود على الكتابة واقفة وعلى عجل و دون حضن دافئ يضم الكلام المنهمر مني دون توقف ..

ألملم أوراقي المتناثرة التي تضج بالبوح وبالخطايا ، سيرة ذاتية ، مقال مبتور وقصيدة لا تكتمل ، يعبث قلمي بالورقة ، أستغرق في النبش ، أحاول تأجيج الرواية بصهيل الروح ، أحاول كتابة شيئاً ، شرح الحكاية ، أهمس وتستمع الورقة إلى براكيني بكل الحواس ، أهمس وتتنهد أزرار الحاسوب ، تئن جدران غرفتي ،لا زالتْ بعضاً من رائحة حبري عالقة من بقية بوحي في ليلي الطويل ، أكتب وأتنفس بخور الحبر الأزرق ، أتسلل إلى بوابة الفجر مسكونة بالعبق ، أستنشق عبير القصائد ، أشاطر الكلمات سرها، لا سبيل إلى ترشيد الكلمات عندما تتحدث عن حب كبير وشاسع ، تصبح فتاكة ، طاغية الجمال مرعبة ، تتقد ، تهدر في نقش الحنين ، شرسة في كتابة الاشتياق ، رائحة الوطن مدفونة هناك بين أوراقي المتناثرة لها عبق لحاء النخيل في فزان ، تتسرب وتنفذ عبر المسام ، تنفذ مباشرة إلى القلب ، نحن عادة لا نجيد مخاطبة الوطن تظل لغتنا قاصرة وقصائدنا ظالمة وأفكارنا تعج برائحة الجغرافية البليدة والتاريخ المكتوب بخط رديء لا يجيد كتابته إلا الجبناء من المنتصرين ، لنتبسط في الجلوس إلى الوطن ، نأوي إليه ككائن نعرفه ، نرتمي ، نجلس إلى جواره نلهج به كالدعاء ، نغتسل بكمال جماله ، نعيد مخاطبة " فزان " بلغة نخلة ، و" درنة " نكتبها بماء ياسمينة ونشكل " برقة " بأبجدية التين والزيتون ،

دعونا نشيد بيوتاً من الشعر في ليل " بنغازي " الطويل ونضيء السماء البعيدة بالقصائد التي لا تكتمل إلا عند تخوم " سرت " ، أنا لا أتخيل أن أسلب متعة السفر براً إلى طرابلس ، مرعبُ هذا التوقع يا وطني .

فجأة أشعر بالنعاس ، أتثاءب ، أندس تحت الأغطية السميكة ، أتكور وحيدة بائسة ، تنكسر نظراتي على خطوط الستائر الوردية الدقيقة وتعلق بالسقف أحدق بالتشققات ، يباغتني فجأة بأطيافه ، يسطو علي ما أملك ، بسبر طريقاً نحو مواجعي ، يتقدم بهدوء نحو ممراتي السرية يفتح أكثر أبوابي البعيدة إغلاقاً ، يتمطى بخبث خلفي ، أحس به يتمدد ، يلتصق ، يجس ظهري ، أنامله تتسلق عمودي الفقري ، يحصي الفقرات فقرة فقرة تجوس من أسفل الظهر وتستقر عند الرقبة ، ثم يبدأ يتحرك في جميع أماكن جسدي المتعب ، أشعر وكأن يداً تمسد شعري أحس به يفككني روحاً وجسداً ثم يعيد ترتيبي ، أغمض عيناي ، هو يتحسسني حقيقة لا حلماً ولا خاطراً ولا كابوساً لقد كان حاضراً بشكل قوي ، رهيب وبهي ، أحاول فهم واستيعاب ما يحدث ، عدم الفهم والغموض يخيفني ، احتاج أن أفهم لأقرر ، أريد تفسيراً يفك رموز هذا الشيء الشاذ عن النسق الطبيعي والمألوف للطبيعة ، أتمتم ، أستنجد بآية الكرسي ،أتمتم ، للّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ... لكن الآية الكريمة تتعثر في حلقي ، لا تخرج إلا مرتبكة ، متكسرة النطق ثم تموت على طرف لساني عندها أدرك أبعاد سطوته على الروح والجسد والذاكرة ، يا الله أين آية الكرسي التي حفظتها منذ الطفولة والتي كثيراً ما أرددها ؟!، عند النوم تكون حصناً منيعاً ألوذ بها ، أستمد قوتي منها دائماً ، من قرأها يكون في حفظ الله ليلاً ونهاراً هكذا تعلمنا في مدارسنا الابتدائية وهي لمن قرأها... في الفراش قبل النوم يحفظه الله لا يقربه شيطان حتى يصبح ويبعد عنه الكوابيس والأحلام المزعجة ، أجدني أتذكر و أردد "وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا " ولكن هل أنا حقاً أريد طرده وملاحقته بآيات الله الكريمة ؟!

حقيقة لا ، تتملكني دفء وعذوبة اللحظة الفاتنة ، لستُ ملاكاً .

ورغم تحفيزي لكل طاقات ذاكرتي المتعبة لا تخرج الآية سليمة النطق لكنني أخضع لأطيافه وأخشاها ، أذعن لجبروت لحظاته ، أنكسر أمام جبروت عبثه اللذيذ بي ، أطيافه لا تتركني وشـأني .

تطل والدتي ، أرمقها تدلف غرفتي ، تلقي نظرة شاردة عليّ ، ترتدي عباءة الصلاة الغامقة ، تطرح سجادتها وتشرع في صلاة طويلة ، قيام الليل والدعاء الطويل ، أتسمر ، أحاول كتم أنفاسي المتلاحقة ، أدير ظهري ناحية الحائط ، حائط غرفتي لبني اللون ، أتظاهر بالنوم العميق لكنني أغرق في نوبة بكاء صامتة ، لا تنتبه والدتي لحائط مبكاي الذي ارتسمت عليه ظلال ورموز وأحتله طيف رجل باهت .











(3)

حجرات بيتنا الكبير بدأت تخوى بعد وفاة والدي ، هذا الخواء الفاجع يضايق والدتي ، يقلقها ويجعلها تكبر بسرعة ، شعور طاغ بفقدان الحماية ، حالة من عدم التوازن مع الحياة ، السكري وضغط الدم وخواء البيت والفقد أعداء يتآمرون على صحتها ، لم يعد البيت عامراً إلا بي وبكتبي وأوراقي وأجهزتي الكثيرة ، تزوج من تزوج ورحل من رحل وبقيت معها أونس وحشتها و أشاركها كل شيء ، لم يكن من السهل التكهن بمزاج وطقس أمي بعد وفاة أبي ، ستشرع في تلاوة سورة يس والدخان والواقعة والصافات ثم تنشغل بالتسبيح إلى أن تنام .

أعود لأقول هل كان يجب أن ألتقي به كي تبدأ الحكاية .. كي يبدأ أتساع المدى ، كي يبدأ الكون ، كي تبدأ رحلة تطويع القلم المتصلب شرايينه بداء الشلل والعطب ، كان يجب أن يبقى القلم هناك منكسراً عند حافة الورقة ، يجر خلفه هزيمة وطن منهوب ، يكتب عن الحروب ، يشرح تفاصيل الموت ودقائق الغياب والفقد ، كان يجب أن يظل قلماً خانعاً طائعاً لذائقة الغياب والحرمان و الغربة .

كان يجب أن يكون القلم وفياً للفواجع في شوارع طرابلس ، للموت بالمئات في بنغازي ، للتنكيل بالجثث في درنة ، كان يجب أن تكون الورقة طائعة للخطف ، بيضاء ، والذاكرة تعج بأصوات القنابل والرصاص وعويل النساء والنازحين ممتلئة بأصوات المنفيين ظلماً ، وأبواق الحاقدين ، وأصوات طائرات غريبة تنتهك أجواء الوطن وتربك نبضات القلب

لا يمكن أن يخون الحبر حزن الأرصفة في شوارع تاورغاء وبكاء حواري سرت ولا حواجز وبوابات الأخوة الأعداء في الوطن الواحد ،

لكنه حضر ، جاء صاخباً كالموج تكسر ظله عند أعتاب نوافذ روحي المشرعة جاء هادراً لهفة وشوقاً وتوقاً ، جاء حريقاً لافحاً ، ساخنا مجنوناً ، جاء طوفاناً مشتعلاً ، عاصفاً ، جاء قدراً كاسحاً لما سبق .

وفتحتُ كل نوافذ الأنثى لديّ ، فتحتُ كل أبوابي ، وكان قلبي مشرعاً مفتوحاً عن أخره لاستقباله ، روحي كانت عطشى ، متلهفة للانصهار ، والذوبان والتلاشي ما أن تستقبل أنوثتي إشارة ساخنة منه عبر نبراته ، أو عبر رسائله حتى تقام الأعياد ، وكانت نبضات القلب ورعشات اليد ، وتردد الأنفاس واضطراب الجسد ، الكل يوقع أجمل الأحاسيس على جدار الزمن الهارب بيننا ، الكل يشعل الشموع والقناديل ، الكل يرقص ، يبتهج يغني لكنها مشاعر تأتي بسرعة جنونية وتذهب أشعر بأنها متطرفة غير آمنة .

أعود لأستدرك ، لا زمن نمطي بيننا ، لا وجود للأبعاد ولا المسافات أو المكان بيننا ، كل شيء نسبي بيننا ، الزمن والبعد والمسافة كان توغله في داخلي يذهلني ، قراءة ما أحس به بدقة تربكني ، حضور طيفه يشل مقدرتي على البوح ويشتت مقدرتي على التركيز ، كنت أشتهي معرفة كل شيء ، أشتهي عوالمه الغامضة ، طلاسمه ، أسراره ، أشاراته الخفية ، أشتهي قراءته لأفكاري ، معرفته ببواطني ، انتهاكه إسراري ، أشتهي خوفي منه ، من زلة لسان ، من كذبة بيضاء قد أتفوه بها ، من تمرد ، أو ثورة على طيفه الحنون .

تشتعل شاشة هاتفي ، يئن الجهاز المسكين برنته المعتادة ، تصلني رسائله

- هل تعلمين أستحضرك أحيانا لدرجة أتلمسك بأناملي ، يرهقني استحضار طيفك ،اخترق رياحا وسهولا ووديانا وشاطئي طويل لانصهر بروحك .

أتسمر أمام رسالته أحاول فك رموز كلماته ، تسري رعدة خفيفة في جسدي ، أرتجف ، أتمتم

- لا تخيفني ، أنت ترهبني ، أنت تذهلني ، لا أستوعب ذلك ، ما يحدث بيننا يفوق مداركي ، يفوق ما تعلمته أو قرأته ، أنه أكبر من أن أستوعبه .

- أنتِ تحسين بذلك ، لا تنكرين .

أجدني أعترف

- لا أنكر، وكيف أنكر إحساسي بالدفء اللذيذ والنشوة العارمة تحت سطوة أنامله .

كيف ومن أين ابدأ الحكاية ، بأية لغة أشرع في سرد حالة من العالم الأخر ، كيف أشرح سر اختزال أبعاد الزمان والمكان ، من أين لي أن أقبض على لهفة تخترق الرياح ، أو أسر همسة تقطع الصحاري ، أو أن أزج برجفة بين السطور أو رعشة شاردة تقطع شاطئ طويل لتنصهر بروحي كيف يمكن اعتقال كل ذلك وحشره بين سن القلم ووجه الورقة.

- ثمة رائحة زكية ترنحتْ في الثلث الأخير ، تسللتْ إلىَّ من ثقب الليل ، تهاوتْ ،ملأتْ فضاء غرفتي ، ثم تبددتْ سريعاً ، أتمزجين العطر بالبخور سيدتي ؟!!.

متى وأين وصلك شذا روحي .. وكيف اهتديت إلى عبير أعماقي ؟

ما الذي دعاك إلى التسلل إلى مخدعي واستنشاقي بالكامل ، كيف عرفت بسر عطري ..؟ كيف قمت بنسف المسافات ، من أين لك بمفاتيح الخفاء ، ما تفسير الزمن في قواميس عشقك وما هو المكان وكيف ينصاع لك يا سيدي ؟ !!

كيف تطوي كل تلك الصحاري عابراً لاهثاً من أجل جمع ما تناثر من عطري الممتزج بأنفاسي المتساقط مع المسك وبالبخور ؟!!

أمخلوق البعد الرابع أنت .. ؟

- لا تنزعجي أحياناً أضع يدي اليسرى على رأسكِ مباركاً إبداعاتكِ صديقتي .

- واو .

في تلك اللحظة بالذات كنتُ أنزوي في ركن قصي من غرفتي و أكتب ، طيفه كان يجلس القرفصاء حارساً عند حافة سريري .

















(4)

أحسه ، أحياناً أرغب في هذا الإحساس ، أريده ، أتلهف لحدوثه ، أستعد له ، للحظات التناغم الكاسر أتهيأ وللانصهار العارم أسعى ، أتفقد أنوثتي ، عطري ، أجتهد كي أمزج العطر بالمسك ، بالعنبر ، بالبخور .. فهل حقيقة يراني ، وهل تنعشه رائحة عطري وبخوري ؟

- فيكِ ، في ملامحكِ عذوبة صارخة .

تصلني رسائله الهاتفية ، أشتهيها وأخافها ، أخشاها وأتلهف لقراءتها ، وأشعر بحروفها تسعى حية نابضة ، تفيض ببريق خاطف ،ترصد أنفاسي.

وأقرأ بنظرة حائرة ، اقرأ أفكاري ، همساتي ، خلجات روحي ، اشتهاء ، توق ، استجداء اقرأ كل روحي في إشارات غامضة تصلني عبر هاتفي الصغير منه .

- هل أبلغوكِ أني سارقاً ، ساحراً ، أقتنص لحظات غفوتكِ لأقبل جبينكِ وأحلق عند عودتي فرحاً ، مترنماً مزهواً .

اقرأ بنظرات حائرة حالمة .. اقرأ

- بربكِ عندما تشاهدين هدهداً يلهث عند الحافة ضمئاناً ذلك إشارة أنني أشتاق مولعاً ببوحكِ وهمسات روحكِ .

ما السر في الإشارة إلى الهدهد ...؟

أفر مذعورة ، منبهرة بالحقيقة ، مسح شامل لأفكاري ، سرقة لأحلامي ، اختلاس مروع لدقات قلبي ، انتهاك صارخ لخصوصياتي الحميمة جداً ، رصد دقيق لأنفاسي ، إحصاء فائق الدقة لرمش عيني ورعشة يدي ورجفة قلبي ، عرض فاضح لأحلامي ، إفتضاض لذاكرة مدججة ومليئة باللحظات والرموز والأسرار ، كل ذلك يصلني عبر رسائل هاتفية قصيرة .

كل ما أفكر به بيني وبين نفسي مقروء ومعروف ومفضوح بالنسبة إليه

هل أصبح عقلي وقلبي وأحلامي وأفكاري عرضة ومتاحة له ، ملكه وفي متناول يده يستمع إلى صوت جريان الدم في عروقي بكل هذه السهولة ؟

أهمس بيني وبين نفسي

- أرجوك .. أرجوك .. بربك يا .....................

فتصلني رسالة هاتفية منه .

- لا تستجديني .

من يحمي خصوصياتي الفكرية

يا ألهي نواياي مفضوحة ، ذهني مباح لكنني أشتهي ذلك وأرغب به وأتلهف له وأخشاه معاً

أشارة أخرى تأتيني منه ..

- بين الفينة والأخرى استنشقي عبير ورق الريحان فأن فيه سراً ملهماً وطارداً للضجر .

فأهرع لاهثة باحثة عن النبتة وعن السر ، بين رفوف خزائن أمي أبحث عن النبتة لأستنشقها وبين أروقة الشبكة العنكبوتية ومواقعها المختلفة أبحث عن السر .

لم أفهم

ما سر في الإشارة إلى نبتة الريحان ، كما لم أفهم سر الإشارة إلى الهدهد... وكذلك لم أفهم سر الإشارة إلى قصيدته " أهازيج من العالم الأخر" .... ؟

جاءتني رسالته الهاتفية

- لا تسألي كثيراً ، أنا أنفذ طاعة عمياء .

" والحب ذو العصف والريحان " صدق الله العظيم ،

كان من التقاليد السائدة عند الرومان في ذلك الزمان هو أن تضع حزمة من الريحان في يد الشخص المتوفى، حيث تقوده في رحلته إلى العالم الأخر في سلام وأمان.
وفى المكسيك كان الريحان يستخدم لجلب الحظ، ولطرد الأعين الشريرة من أن تصيب أحد بسوء. وفى الهند يعتبر الريحان من النباتات المقدسة، نظرا لأنه يمثل النبات التي تمسكه زوجة الإله الذي يحافظ على الحياة في المعتقدات الهندية.

- داومي على شرب الريحان ، ضعيه في كوب ماء ليلاً ، ثم أشربيه فجراً

أما الهدهد فرسول محبة .

أتسلل كالمنومة أضع بضعة وريقات من الريحان في كأس ماء عند المغيب وأتركها حتى الفجر ، كنتُ أوغل في الحلم اللذيذ ، في البوح همساً ، و أجتهد في تفسير الإشارات والرموز والطلاسم ، لكنني حائرة ، أشعل كل الحرائق في القلب وأنا حائرة ، أهب كل شيء وأنا أتأرجح بين شك ويقين ، أصحح عبارتي ، أنا لا أهب بإرادتي بل كل شيء يُنتزع مني ويُنتهك عنوة ويُقرأ ويتفرج علي دواخلي العميقة ، تُنتهك الذاكرة ، ويُشرح الحلم ، وُيقرأ القلب على الملأ .

أعتقد أنني لن أنفذ وصاياه ووصفاته الطبية ، لكنني حتما أرغب بأسراره ، وأشتهي رموزه أتركه يتوغل في الدم ، يسري بين تلافيف الروح ويتخذ جذوراً راسخة في الأعماق ، باركت حضوره في الذهن وتلذذتً بتسلله بين الضلوع .

أتفقد رسائله بنظرة حائرة ... رسائله التي تدجج عمري باللحظات المختلفة النادرة ، تحرضني بالإشارات والطلاسم وتدفع بي لخوض التجربة والإثارة ،المجازفة ، كان يجب أن أخوض التجربة وأضحي بكل شيء من أجل رواية راهنتً على كتابتها وسأكتبها .

- غالباً ما أخشى صمتكِ ، أستغرق في إبحاري وانصهاري لأنتزع ضالتي منكِ

ماذا بعد أسراري ، أفكاري ، هزائمي ، انكساراتي .. ماذا بعد أشيائي الصغيرة ..ماذا بعد الحلم والروح والذاكرة والوطن ، ماذا تريد أن تنتزع أكثر من ذلك ... ؟











(5)

فكرة الاقتراب من عالمك مذهلة جداً ، مرعبة ، مثيرة ومع ذلك أشتهي قربك مني وأتوق إلي الإحساس بك .

لا شيء ملموس ، لا صوت ، لا ظل ، لا ضوء ، لاشيء ، لكنني أحسك ، هذا الإحساس الغريب ، شعور لا يوصف ، لا يفهم ، لا يكتب ، لا يحلل ، لا يقاس ، غير خاضع لقوانين العلم والمنطق والبراهين والأدلة لكنه موجود .

سأقبض على لحظة الإحساس وأكتب بشراسة ، صدقَ العالم أم لم يصدق ، أني ألج عالمك الذي لا أعرف كيف أثبت وجوده بالبراهين ، وأدخل إلى لحظة باهرة دون زمن ، دون توقيت وأقف حيث لا مكان ، وألتقي بك في عالم لا يمكن أثبات وجوده بالبراهين والنظريات المحسوسة ، خارج نطاق الحواس حيث لا شيء مادي محسوس ، أنا على طرف الكون جهة الشرق وأنت تقف في الجهة المقابلة ، ننصهر ، نذوب ، نتلاشى دون أن نتحرك من مكاننا .

كانت تلك اللحظات بعثاً حقيقياً وتحولاً صارخاً في مسار قلمي ولغتي وأبجديتي ومنهجي القديم في الكتابة ، مثلما كانت انقلابا كبيراً في حياتي الخاصة والعامة وفي علاقاتي الحميمية .

أترك جمال روحه يغمرني ، ينعشني ،أتذوق حلاوة نبله الحار ، ألتقط بحاسة الشم تفاصيل الأصالة والأناقة الشعبية المؤثثة في أعماقه ، وتسري في جسدي قشعريرة اللذة لحظة تذكر صفاء قلبه ونقاء سريرته .

- أنتِ ساحرة ... ساحرة . اطرقي عوالم تنتظرك بأهازيجها..وشموعها

ستكتبين نصوصاً يرونها طلاسم ثم يتسابقون لفك رموزها.

ستكونين ملاذا لغرباء هذا العصر..

لا تترددي.

البداية إشارات ثم أبواب مشرعة.

البرق والرعد والغيث تتولد لديك قوى خارقة أذكري المصور الودود.

أجدني أهمس

- لا إله إلا الله .

تتسلل رسائله الهاتفية وتهطل كغيم هادر عليَّ وأتركه ينتهك مناطق غير مأهولة في حياتي ... مناطق بكر ، غير معهودة وأغوار لم تأتيني الجراءة علي اكتشافها والتطرق إليها حتى بيني وبين نفسي ، يمنحني تناغماً لا أتوقعه ، ولقاءاً حميمياً لا يخضع لقواعد الزمان النمطي المحسوب بالدقائق أو المكان المحدد بإبعاده الملموسة والمحسوسة والمحسوبة بدقة السنتيمتر أو الميل .

لا يمكن أن أعترف لأي شخص بأنني ألتقي بك في صورة مختلفة لا أعرف كيف أصفها بدقة .

- لم يكن هناك تربصا من أحدنا بل هو نقشا قدرياً بأوتار معزوفة لم ولن يتكرر..شغفا يحبو ، تجسد عشقا ينطق..وروحين انصهرتا بعد صهيلاً عن بعد في فضاء براحهما استجابة لنداءات شوقا ناثرا أطيافه..

تنفيذا لرغبة غامضة ضحكتْ الأنثى التي تسكنني ، رقصتْ بفرح أمام كلماته واشتهتْ المزيد من إشاراته ، يخترقني بسهولة وكأنه طيف يعبر بهو روحي ، كنت أتلقى سحر حضوره ، أو كان يجتهد ليستحضر طيفاً ساحراً من حضوري ، لا أدري من منا يبادر بالتناغم والانصهار والهمس اللذيذ ، حضوره يحفز كيميائي الداخلية السرية ويجعلها تفرز الفرح والإثارة والنشوة بكميات متضاعفة تطفح على ملامح روحي وتهبني جرعة كبيرة من الأمل ومن التصالح مع الحياة ، جرعة دوائية كبيرة من التوازن ، جرعة ضد الحزن واليأس والضجر والموت .

كنتُ قريبة من روح كلماته ورسائله أما قصائده التي يقوم بنشرها أو إرسالها على هيأة رسائل هاتفية فلا أملك مفاتيح طلاسمها ، كنتُ أقف عند تخوم مملكة ربانية لي وحدي ، لا يحتلها أو يغتصبها مني أحد.

على جدران معبدي ، على جدران الروح والقلب ينقش إرهاصاته الأولى ، يبدع عبادة جديدة .. يرهن كل ما يملك ، يطرز صلاة ، ينحت بوح ، يحفر انصهاره ، ويتلوا دعاءه الحار يتربع فيه الكلام على عرش النزق المهيب ، يختلي بي ، يدعوني في لحظاته للاختلاء ، للتأمل والتدبر في كتاب الروح العزيز ، يستأذن القلب ليتسكع في الأماكن المظلمة لأزقتي الخلفية المعتمة و المغلقة أبداً .. جاء و كأي معبود .. لم أسمع سوى صوت ارتطام قدميه .. و صدى خطوه بقداسة على إسفلت قلبي يتردد .. مسح بيمينه غباراً و ولج ردهاته حاملاً قبساً هادئاً من نوره المقدس .. يجوس خلال أوردتي .. يقبض على حفنة من كرات الدم .. يبعثرها في الفضاء .. يفعل ذلك باستهتار .. و بقدرته يعيدها إلى سيرتها الأولى .. يتفنن في العبث بمتعة لا مثيل لها .. يقطع وريداً ليصل شرياناً .. يعزل هذا عن ذاك .. يتلبسه سورة العبث فيتشبث بجدران الأوعية الدموية ينقش وحياً .. سوراً و بعض الآيات .. يلغي و يعيد دون أن يربك مسيرة دورتي الدموية الصغرى .. أو الكبرى يدس وجهه و يتفرس بإمعان داخل منعطفات روحي .. تقوده قدماه إلى أغوار سحيقة .. فعل الدهشة لا يفارقه خلال الرحلة .. ينبهر يقول باندهاش : ماذا صنعت يداي بعبدي ؟ و يتباهى كأي إله بمخلوقه و بهذا النزق الذي يتلوه على هيأة صلاة تهزم عنفوان الزمن .. تحطم أدواته تقيد ثوانيه .. عقاربه .. ساعاته .. كل شيء ، إثر العبادة تتجمد اللحظة و ترتدي مسوح الأبدية .. يغفل عنها تدفق الدهر لكنها لا تتبدى إلا في صورة حسناء رائعة الجمال .. أتدرون ؟!! .. في نشوة دعاءه الطويل لي لحظة تجمد اللحظة عند أعتاب معبدي فيما تنقش يداه بلغة قلبه صلاته الجديدة يكتشف شيئاً هاماً و خطيراً يزعجه و يبطل مفعول السحر في القبض على تلابيب الزمن لحظة العبادة .. أتدرون ما هو ؟!! ... إشارات سرية لعبادة قديمة .. بائدة لكنها منحوتة بعمق .















(6)

يفاجئني أزيز هاتفي المتقطع معلناً وصول رسالة منك ، بسبابة مرتعشة ومتوجسة أفتح الرسالة الإلكترونية ، تنهمر الكلمات ، توقض بعمقها غفوتي ، أتأملها ، اقرأها بضبابية النعاس تارة ، وبوضوح الصحو تارة أخرى .

- الشهر الماضي كنا خمسة أشخاص بالمكتب ، دخلتْ أنثى ، كانتْ بارعة الجمال ، قالت لي : هل رأيتني من قبل .. أأنت شاعر ..؟ قام بريق عينيها بتهشيم أشياء بداخلي ، ضربتْ بأطراف أصابعها علي يدي ، نطقت ، قالتْ . هذا اسمي ثم توارتْ ، كان لها صوتاً يشبه صوتك ، وملامح تقترب كثيراً من ملامحك أنه أسمكِ الذي نطقتْ به .

ألا تتأني في انتقاء عبارات الذهول والدهشة ، لماذا لا تكون رحيماً في غرابة أطوارك ، وفي بث رسائل وإشارات صعبة القراءة ، تلك الكلمات ما هي إلا طلاسم وألغاز غامضة ومبهمة تأتيني منك في هيئة رسائل .

لم تكن رسائل كانت فخاً أنيقاً مزخرفاً بإسرار الكلمات الأكثر ضراوة وغرابة ، تضعني في مأزق بين اللغة وبينك وبين حقيقة أحاول تجاهلها ، رسائلك تجعلني خرساء ، فأنا لم أغادر مدينتي منذ مدة طويلة .

بضعة ثوان مضتْ ثم هطلتْ رسالة أخرى .

- ما يفصل بين الهوس والحدس شعرة ، لا تسألي كثيراً أنا أنفذ طاعة عمياء .

كل شيء يدفعني لاتخاذ قرار ما ، شيء من الشجاعة للفرار من وجه الأخر أو السفر للتثبت من الحقيقة ولو كانت قاسية .

لي يد قادرة على وضع علامة " قف " ، قادرة على التلويح بالرحيل ، قادرة على ضغط زر " توقف " ، بالإمكان الإنعتاق بضغطة زر وقفل الهاتف ، تحطيم خط الهاتف وشراء خط جديد وتنتهي هذه القصة الغريبة .

أنا لم أغادر مدينتي منذ مدة طويلة فكيف ثبت تواجدي في مكتبه الشهر الماضي ، كيف وأنا من شرق البلاد وهو من غربه ، كيف أقطع مسافة تزيد عن الألف كيلو متر في أقل من ثانية ، كيف أتجاوز غول المسافة وأقطع أناقة الزمن المتأني في سيره ، هكذا وببساطة انتقلتُ من مكان إلى أخر وعدت في لمح البصر دون حساب للمكان أو الزمان ودون حتى أن أشعر ، ما هذه الدقة الفائقة على الاختراق ..؟ ثم ما هي حقيقة المكان النمطي والزمن المقدر بالثواني والدقائق ؟ هل حسابات الوقت والمسافة دقيقة لنا نحنُ البشر ، أم حسبنا كل شيء وفق فكرنا المحدود ونظرتنا الضيقة للأشياء ..؟

هل يمكن مسح مسافة ألف كيلومتر أو يزيد في أقل من طرفة عين والعودة ثم الجلوس دون أن تتحرك شعرة من رأسي ؟

هل مارست لعبة الخروج الوهمي من الجسد بعد استرخاء ودون وعي مني ودخلتُ مكتبك في حالة غريبة لا أفقهها وتتفوق على مداركي ، ليست لديّ موهبة التواجد في مكانين في نفس الوقت ولم اقرأ عنها سوى في روايات الإثارة والرعب ؟.

ليست لدَّي خوارق .

لا أحد يعينني على صنع القرار الحاسم ، لا أحد يفسر لي سري ، أرتعش أمام إشاراته وطرف اللسان مرصع بالاحتمالات والفكر مزدان بالشك والقلق والأسئلة المستعصية الكثيرة مليئة بالحيرة والشك ورسائله الغامضة لا تنقطع .

بدأ يتهيأ لي الإحساس بجسم يجلس ملاصقاً لي من الجهة اليسرى ، خيّل إلى أنه جنبي تماماً وأحياناً خلفي .. هل هي رؤى ؟

أشعر به يتحرك ويجثم على كامل جســدي ، هنا فقط أحسست بحجم مجازفتي ، أحسستُ بمدى الخطر الذي يتربص بي نتيجة تهوري ، هنا فقط أحسستُ بالفجيعة ، هل كان يجب أن أضحي بكل شيء من أجل رواية راهنتً على كتابتها وهل سأكتبها ؟

هنا لمعت شاشة الهاتف بوميض وأخذ في إصدار أزيزه المتقطع معلناً عن وصول رسالة هاتفية .

كنتُ أنظر في رعب إلى الرسالة التي تنتظر أن أفضها لأدرك سرها

- قسماً بعالم لم تعتاديه سيكون ليلك شغفاً وشغفاً من وحي أطيافي وسترين.. أنا معكِ الآن !!

أطياف ..؟ .. معي .. ؟ ما معنى ذلك ..؟

طيف يعادل شبح ، خيال ، وهم ، حلم ، وسوسة .

هذا الإحساس به ، تحركه قربي أقلق يقيني ، وحكاية الأطياف زعزعتْ ثقتي في بهاء الإثارة ، سلبت مني روح المغامرة ، قضت على عنصر النشوة في الحكاية ، هاهو قربي ، معي ، يسيطر علي ، يتحسس أشيائي يحسني بأنامله ، يحتويني رغم الألف كيلومتر التي تفصلنا في الحقيقة .

فهل سأمضي إلى النهاية في كتابة روايتي وقربه أصبح أكثر قسوة أكثر حدة ؟

أشعر بأن إرادتي تتخلى عني ، يتسرب كل شيء من بين أناملي ، أُستلب ببطء غصباً عني ، أُنتزع من عالمي ، لا أملك الحق في أفكاري ، لا أملك السيطرة على ذاكرتي وقلبي ، حتى جسدي بات تحت سيطرته التامة ، حقوق ملكيتي لذاتي سُحبت مني بالكامل قهراً و قصراً ، أنا لا أملك شيء...أنا لا شيء أنا مجرد ظل ، ظل بدأت تسكنه الأطياف .

اهتز الهاتف الذي وضعته في وضع الصامت من خلال إعداداته

- بربكِ هل تحسين بإن طيفاً مجنحاً يلازمكِ هامساً أقدسكِ.

لم أصل إلى مرحلة سماع همس وهمهمة الأطياف بعد ، مجرد التفكير في سماع رطانة الأطياف يرعبني ، يزلزل كياني ، يكسرني .

يا ألهي أشعر به يحاصرني ، يضع يده فوق كتفي ، يتخلل شعري ، يتشرب أنفاسي ، يقف عند أطراف سريري ، يندس معي ، يتنسم عطري ، بخوري ، مسك أطرافي ، لكني لا أدركه ، يتبدد مع أقل حركة تصدر عني فهل سأقضي بقية غمري أتحرك مثل بندول ساعة حائطية ؟ .

- كنتُ أرى نفسي سيداً وسلطاناً لكن في لحظة حضور طيفكِ أجد نفسي عبداً ناسكاً متعبداً أطمح سمو عفوكِ ، أمطريني عشقاً سيدتي .

لم تضحك الأنثى التي تسكنني ، ولم ترقص بفرح وخفة أمام كلماته ، لكنها أدركت متأخرة أنها في خطر ، لقد أصبحتْ روح عاشقة صفراء ذابلة ، تنظر إلى كلماته بخواء فاجع ، بعد أن كانت ترقص وتطير من الفرح لمجرد وصول رسالة ، أصبحتْ تخاف الأزيز الذي يعلن عن وصول رسالة .



























(7)

كان الأمر في البداية مجرد مغامرة ، تجربة مثيرة واكتشافاً لعوالم جديدة ، تحدياً للذات ، انتصاراً ساحقاً للخيال ، مُحفزاً شاسعاً للدهشة ، تفجيراً ساحقاً للأسئلة وعلامات الاستفهام ، تحريكاً عجيباً للنشوى والانتشاء من أجل كتابة نص مختلف ورواية غير معهودة ، جميلة مختلفة تماماً عن كل ما كتبتُ .

أغرتني طلاسمه ما ورائياته ، أسرتني أسراره ، أثارتني رسائله ، استهوتني كلماتي ، أغوتني أطيافه فارتعبتُ .

وجدتُ نفسي أنحدر من علو شاهق ولا سبيل إلى الرجوع ، كان الأمر مجرد مجازفة ، طيفاً يحتل حائط غرفتي ، رقما غريباً يطارد شاشة نقالي ، رقماً يتصدر شاشة هاتفي ، رقماً محلياً يرن ليلاً تحت وسادتي وصوتاً رجالياً يتلو قصيدة لم أتبين منها سوى عنوانها المثير " الأطياف الناطقة " ، وجدت نفسي أستمع إلى قصيدته وكأن صوته كأنه كان ينبثق من داخلي من مكانٍ ما عميق وغائر في الروح ، كان شعوراً لذيذاً أن استمع إلى صوت تنفسه لحظة التوقف عند نهاية القصيدة ، قام بتلاوة قصيدته ، تنفس بعمق قال : معكِ أبو هيمة ، ثم أقفل الخط قبل أن أسترد أنفاسي .

بدأ خيالي يسيل اشتهاء ورغبة ، كانت روحي شرهة وتواقة للمزيد من صوته ،أرتجف جسدي لبوحه لكنه رحل ، مكثتُ أحدق إلى رقم هاتفه ببلاهة ، أحاول أن أتذكر شيئاً ، أسم ، عنوان ، موقع ، شاعر ، قصيدة ولكن هيهات ، لا شي ، لا شيء .

كان مجرد حلم .

أنكفئ على ذاتي وحيدة ، حزينة ، يائسة ومسلوبة ، مسلوبة الروح ، البوح ، الكتابة ، مسلوبة الجسد وخاوية من الداخل والخارج ، متداعية ، أنحدر ببطء شديد إلى عالمٍ سفلي وأكتب شدة انحداري أقيسها دون ضوابط ، كيف أستعيد ذاتي ؟ بأية طريقة أعود ، أرجع ، ما هو السبيل لاستعادة روحي وجسدي ، لاسترداد سكينتي ، أجدني أقفل هاتفي ، أبحث عن رقم جديد ، وسيلة جديدة للتواصل مع العادي والمألوف ، أبحث عن ذاتي لأستردها ، أسحبها من عالم اللامعقول وما وراء الغيبيات ، أجرها إلى كينونتها ، سأثقل هاتفي ولكن هل ستعتقني أطيافه .. ؟

أحس بأنني محاصرة ، رغبة قوية تدفع بي إلى فتح الهاتف من جديد ، أحس بأني أكثر عزلة ، خائفة ووحيدة في مواجهة قوى خفية ،

لا أدري كيف ولماذا عدت ، فتحتُ نقالي ولبثتُ أنتظر رسائله ..؟

كتبتُ إلى رقمه ...

- " فسر لي أن تكون معي " .. كيف يحدث ذلك ، بربك أرجوك يا أبوهيمة وما طبيعة أطيافك ؟

- أمهليني فرصة حماية لكِ ولي.، إقرائي الآن ..الآن..سورة الأعلى من المصحف.

لم اقرأ شيئاً كنتُ أرتجف والمصحف بعيد عن متناول يديَّ ، لكنني أقوم بتخزين المصحف مسموعاً بصوت "ماهر المعيقلي" في ذاكرة نقالي ، بيد مرتعشة بحثتُ عن صورة الأعلى وشرعت في الاستماع لصوت ماهر العذب إلى أن انتهت الصورة الكريمة عندها أنتفض نقالي معلناً عن وصول رسالة .

ارتعدتُ كانت الرسالة تحتوى على أخر آية من سورة الأعلى وصلت وماهر يتلوها بصوته من ذاكرة نقالي .

- إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى..صدق الله العظيم..

همستُ دون وعي

- صدق الله العظيم .

عدتُ كتبت رسالة إليه

- من هم أطيافك .. ولماذا أنا ؟

-ولماذا مريم.!؟ أقدارا سيدتي ، لا تطرقي بربك أبواب المجهول لأنه معلوم الغد الواعد.

أحسستُ أنه لا مجال للمقارنة بيني وبين العذراء مريم

وتساءلت كيف أسترد ذاتي من قبضة شيء مجهول ، أن أنتزع نفسي من بينهم ، أن أعود كما كنتُ أكتب عن الحب ، عن الوطن ، لكن نداء من داخلي يحثني على الاستمرار ، على الاستجابة له " بوهيمة" وأطيافه وعوالمه المثيرة .

كانت كل رسائله تثيرني ، تستفز جرأتي ، تشاكس الأنثى في داخلي قبل أن تدويَّ كلماتها في عمق روحي .

- عرافتي كانت تقول لي : أهلي يحبونك . وأنا أقول لكِ أهلي هم أهلك ، أعبدكِ

مناطق غير مأهولة في الروح ترتادها أطيافه ، تسكنها قصائده ، تقتحمها كلماته ورسائله الهاتفية التي تباغتني بإثارة فضولي ولهفتي للمعرفة .

أكتب إن شئت رسائلك المشفرة ، أزرع طلاسمك على حافة ضلوعي ، أنقشها تحت شغاف القلب الرقيق ، أنحت قصائدك في الجوف ، أكتبها ، أنثرها حولي ، ترقب رعشة أناملي ساعة حضورك ، وأرصد رجفة الروح ، أحصد زفير الأنفاس ، ألتقط رذاذ عطري ، تسرب مع كل منافذي وتوغل مع الشهيق ، توغل لا أحد يوقف تمددك داخلي ، أمعن النظر في الجدران المحيطة بدهاليز ذاكرتي ، اقرأ ملامح بوحي بوضوح وأكمل فراغات الكلام بالتفاصيل ، تفرس في الخطوط الدقيقة للوجدان ، أجتهد ، ترجم بكائي ، فسر حزني ، صادر يأسي ، أصفع ضعفي وألمي ، فض أختام القلب ، أحفظ مسالكي ، أكمل ثراء روحي ، أجمعني ، أجمع ما تناثر مني ، من فتات قصائدي ، لملم أطراف كلماتي ،رتب حضوري ، أملأني حباً وخوفاً ، لا أحد يمنعني منك ، لا أحد يحمي تماسكي وثباتي أمام ارتفاع سقف روعتك الشاهق ، استدع أنوثتي لتمثل طائعة كاملة أمام حضورك .

- مقوماتكِ ومكنوناتكِ وقواكِ الروحية الخفية كل ذلك جعل منك قيمة روحية جالبة وفيضا وجدانياً أغوى شفافية روحي .

سددتَ بكلماتك منافذ بوحي ، كسرت كلماتي ، تبادرتْ إلى ذهني عبارة واحدة ودعاء حار واستغاثة

- يا الله .

شرعتُ في تلاوة آية الكرسي ، حاولت استعادة سكينتي ، أمني ، كنت أتمنى أن أقابل كل هذا بالاحتجاج ، بالرفض ، بإطلاق صرخة " لا " صارمة ، كبيرة ، مفزعة ، مدوية وقاطعة .



(8)

ماذا أفعل ، ها هو يقتحمني ، يشرع نوافذي للعاصفة ، يرفع ستائري و يلقي بأسراري في قبضة ريح عاتية .

ما إن انتهيتُ من تلاوة الآية الكريمة حتى كان هاتفي يرن ورسالة من تتوهج وتتصدر شاشته

- سأكره كل ما يبعدني عنكِ ، أتمنى أن تفيض أحاسيسي ونواميس أطيافي لتتجسد لكِ ، أملك القدرة على ذلك لكن حرصي عليكِ يمنعني ، أقدسكِ .

أتمنى أن تفيض أحاسيسي ونواميس أطيافي تتجسد لكِ ؟ ما معني ذلك ؟

بعضي يتشبث به بشدة وبعضي يرفضه ، كنتُ ممزقة ، متأرجحة بين الحب و اللا حب ، بين الرفض والقبول ، تضاد عجيب يتجاذبني ، وسؤال شرس ، جسور ، أطرحه وأنا أرتجف خائفة من فرط حبه ، كيف أتجاوز خط ملكيته الأحمر ..؟

كان يتسرب إلى منافذي بسلاسة لا سبيل إلى مقاومتها ، أو ردعها مهما تكاثفت رغبة رفضي ومقاومتي واحتجاجي وجبروتي ، يتسلل إلى أقصى نبض في القلب ، يندس تحت أدق العروق النافرة في الجسد ، أصبح بدونه كائن بنصف ذاكرة ونصف قلب ونصف روح .

وأخذتْ رسائله الغامضة تنهمر بغزارة عجيبة ، تهطل ، أنام فأجدها ، أصحو فأجدها ، رسائل مشفرة وطلاسم وإشارات غريبة لم أفهم منها شيئاً ، كلمات متراصة بعضها جنب بعض ، ومع كل كلمة ، كل حرف ، كل سطر أعلم وأدرك وأحس أنني لستُ بخير .

أطيافه لا تفارقني ، تحيط بي ، تشاكسني نهاراً ، وتلتف حول سريري ليلاً تحتويني ، أتخيلهم يعبثون حولي لكنني أحسهم ، أحس كأن أحدهم معي يزاحمني ، يمتلك ليلي الطويل ، نومي متقطع وأنفاسي لاهثة وكأنني في صراع ، مع من ؟ لا أدري ، صراع لا أعرف كنهه ولا ماهيته لكنه صراع غير متوازن القوى .

- تظل روحي حرة ، طليقة ، مجنحة ، تمتص رحيقها بشفاه مطهرة ، وترسل ريحها لتكون مزمجرة .

أحاول التلعثم بآية الكرسي ، اقرأ الناس ، الفلق ، أهمل هندامي ، أترك الاستحمام لعدة أيام باقية على الوضوء ، أهمل زينتي ، عطري ، أترك البخور وأترك شعري منفوشا دون مشط فقط ليزهد أطيافه في الحضور إلىَّ ولكن عبثاً .

- لكن أشياء من مكنونك الروحي تحتويني بل تسيطر على حواسي وتتجه كل حواسي بسرعة رهيبة نحوك ..حالة شبه جحوظ للعينين..وجفاف في الحلق وتزايد لنبضاتي .

بدأ يفتح أبوابي باباً باباً ويلقي بمفاتيح القفل في البحر المتوسط ، يجرني في جوف طلاسمه ثم يقفل أبوابه علىّ جيداً بل ويتعمد إتلاف المفاتيح ، يسجنني معه ، يسجنني داخل حدود لا تخترق ويقرأ خارطة كف الروح وتفاصيل الذاكرة ، ويتهجى أبجدية القلب بين الضلوع .

لم يعد بإمكاني تجاوزه ، أو تجاهل أطيافه التي تلازمني أغلب الوقت ، بتتُ أتصالح معها ، أتركها تندس معي ، ترشو ساعات نومي ، تقيس درجة الدفء والبرودة في مخدعي وسخاء السواد الملتف حول جدائل شعري المسترسل ومقدار نعاسي ، تتلصص على حلمي ، تسبر أغواره ، تتفرس في تفاصيلي ، تحصي أنفاسي ورعشة يدي ، تتأمل المسافة بين الرمش والرمش ، تمسح زوائد الكحل ، تغسل أثار الحبر تمتص بلذة أثر دمع بلل سبابتي ، تستنشق ذرات المسك وهفات البخور ، وأهمس لها ، أستجديها بأن تتركني أنام عندما تكون روحي متعبة وقلبي مرهق والذاكرة ممتلئة في حالة أرق ، أو أنام وأتركها تعبث عندما أكون في حالة صحية ونفسية جيدة أو أن تكون الذاكرة خاوية والقلب في حالة سبات .

- لا تستكيني للحظات يأساً أو كآبة قد تأسرك لأنك قيمة روحية سامية ، ما كانت روحي أن تنصهر بروحك لو ما كنتِ كذلك ، لم أراكِ تجسدت صورتك إمامي وجها وكأنه مألوفا لي..وجها يكسوه الحزن والحيرة يغلب عليه البياض اعتقد أنك خمرية لكن لا ...























(9)

- أعطيني رمزاً ، أعطيني أبوهيمة .

أتساءل في جسارة لا تليق بي

- أبوهيمة ...؟

- نعم أي يهيم ..مجنح..أطيافه متعددة..والدي أطلق عليا هذا الاسم عندما يزهو كان يقول لأخوتي هذا يذكرني بجده الأول أبوهيمة.

أكتشف بأنني أمام طيف شريف من سلالة وليّ صالح ، من سلالة أشهر وأكبر سلاطين الجنوب الليبي وأنني أمام أول درجة من درجات الرقي الروحي ، فهل سيُفتح لي الباب لأكمل صعود باقي الدرجات العليا للارتقاء والسمو

لكن هاجس الرواية يزورني ولن أرتاح حتى أكتبها ، لقد أردت خوض التجربة تختلف كثيراً عن كل التجارب ، أردت كتابة فصول رواية معاشة وسأفعل ذلك بعون الله .

- أبوهيمة هو مؤسس دولة أولاد محمد الفاسي بالجنوب خاصة فزان ذات الموقع الإستراتيجي منذ 800 سنة تقريباً ، أسرته حكمت 300 سنة ،

يقال أنه شريفاً من مدينة فاس المغربية ، ويقال أنه مر بمدينة فزان متوجهاً لأداء فريضة الحج وأن أهالي فزان قد ناشدوا الغريب الورع بأن يخلصهم من حكم دولة القرمانلي ، كل من يتصل نسبه بسيدي أمحمد الفاسي بن عثمان بن أمبارك بن عمران بن عبد الواحد فهو من هؤلاء الأشراف العمرانيين ، وهو من سلالة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه .

أذن هو سليل صحراء مترامية الأطراف ممتدة وحفيد تلك التخوم الشاسعة و أبن شاطئ لسراب سادر لا ينتهي .

قد لا أصدق ، قد لا أتخيل أو أتوقع أنني سأكون يوماً ما هكذا مدمنته ، أتحسس طريقاً غامضاً إلى دهاليز رسائله الهاتفية ، أطارد طلاسمه وإشاراته الغيبية ألتمس الحياة .

- أنت غريبة ، أنا عبدك لا املك معك شيئا ، أنا عبارة عن حارس أمين .

تعلقتُ بجهاز الهاتف بطريقة يصعب التخلص منها ، يصعب مقاومتها ، يصعب الشفاء منها ، جعلتني رسائله أتفوق على أنوثتي ، جعلتني أحس أني أكثر من أنثى ، بل تعديت ذلك بمراحل ، وقطعت شوطاً كبيراً في الرقي والإنعتاق و التسامي ، في التماهي والحلم إلى أبعد حد ، أضع طلاسمه ورموزه ، إشاراته كتمائم وتعاويذ تحت وسادتي وبين ثيابي وفي الحلم ثم ابدأ في حلها أضيع في تفاصيلها المجهولة ، وبين كل طلسم وأخر سؤال أعلقه على حافة سريري دون إجابة ، وأدرك أنها إشارات لا تخضع للسؤال ، لا تخضع للبحث والتقصي وأن رموزه وأسراره مبهمة ومستثنى من كل إجابة .

لرسائله رائحة ولون ، وطعم ، أنني أكاد اشتم رائحة أنفاسه الممزوجة برائحة عروس البحر المتوسط " طرابلس " ، رائحة زكية تنفث من بين الكلمات ، وطعم ذرات المسك الممزوجة بغبار السرايا والشط والهاني ، أستطعم بين الكلمات وحلالها ملوحة المتوسط ، وعذوبة الأطلسي ، هذا الطعم الفريد الممتد من طرابلس أتذوقه حتى طنجة وشرقاً حتى طبرق.

- أنتِ عقلي وجنوني غفوتي وجنوني وصحوتي ..هي إشارات قسماً أظل عاجزا مذهولا أمامها ..لكن هناك مخلوقا عشقك أحبك لا يطيق فراقك..يلاحق طيفك متناغما منصهرا بروحك.

كل شيء يصدر عنه أكبر مني ، يتجاوز مداركي ، يسبق كلماتي ، يترك أبجديتي إلى الخلف دائماً ، يتركني ألهث للحاق ، لإشباع فضولي إليه ، إلى معرفته حق المعرفة ومعرفة سره .

- اعلمي أنه إن أضناني البعد سأبحر للبحث عنكِ ، أعشقكِ..من يقترن بك زوجاً سألاحقه .

أتوق إلى المعرفة ، معرفة تامة ، كاملة ، شاملة ، تشبع فضولي حول ما يحدث لي ، كيف يتسنى له أن يكون على بُعد ألف كيلومتر بالحساب البشري للمسافة وأحسه يتحرك جنبي في نفس الوقت ، أحساس طاغ بالحضور ، أتلمسه دون أن أسمعه أو أراه ، يا الله أحساس عاصف ، مدمر بحضور طيف ، هيمنة روح ، سيطرة ظل ، أحس بأنها حالة استثنائية ، لا منطقية ، مستعصية ، غير خاضعة للفهم ، أتوق إلى معرفة تجعلني لا أندم أو أشعر بالذنب على خوض هذه التجربة ، كيف أنعم بالوصول إلى مرحلة إلى التجلي ؟ .

كنت ارغب بمعرفة تفاصيل دواخله ، دقائق روحه وتفسير خطوطه الدقيقة المرسومة فوق جبين فنجان قهوته

  • طيفي قد يدنو منكِ ، يدنو من محيطكِ تناغماً وتأملاً وتعبداً بهمساته ، لا تنزعجين منه أنها أبجديات زمن أخر .

أصبحت ممسوسة بحضوره ، راغبة بأية صورة لا حسية له مهما كانت ، شهوة روحية خالصة مكتملة اللذة ، غير ممنوعة ممنوحة بسخاء ولا مقطوعة ، بل متصلة بإصرار عجيب ، شهوة تجعلني أعلق متأرجحة بين أقصى حالة للجنون وأقصى حالة للتعقل وفي المنتصف نقطة ألتقط خلالها الأنفاس للحظات قصيرة تكفي للدهشة والذهول والتعجب حتى معاودة التأرجح من جديد .

يستمتع في أن يجعلني فريسة للتخمينات وغنيمة سهلة للتوقعات والتأويل ، وأنا جازفت بكل شيء ورهنت روحي من أجل معرفة الحقيقة حقيقته .

-لا تسألين كثيراً ، أنا أنفذ طاعة عمياء .

كنت أكتب كثيراً عن وطني الممزق ، أفرط كثيراً في الكتابة عنه ، عن مدننا ، أبحث لاهثة عن أي فكرة تهديني لكتابة شيء جديد ، أتعلق بأطراف الكلام ، أمسك بخيوط بواطن الكلمات ، أشاكس الجمل الشهية وأسير بالمقلوب خلف المعاني ، يغريني اللامعقول ، يستفزني الغريب والمجنون من الأفكار وتستهويني المشاعر ، أطارد جمل فاحشة الثراء ، متطرفة تتغنى بجمال بنغازي ، أبعثر الحروف وأرتبها خلف قصص الجهاد في وديان برقة و فوق قمم الجبل الأخضر ، ولا أدري لماذا تبخل درنة على العالم بشذى الياسمين ؟ .

ولا أدري كيف ترهق أبجديتي نسائم درنة في الأمسيات الجميلة ، ولا كيف تبهرني مسالكك وأزقتك الضيقة وحواريك ، تتزاحم أبجديتي خلف روابيك يا درنة ، وتتأنق ، تتطهر بمياه شلالك الخالد ، وتتعطر ، تتزين بالشدة والفاصلة والسكون ، تتفرد لتبهركِ أيتها الفاتنة المشتعلة الاخضرار والخصوبة ، أبجديتي التي ما خلقت إلا لتكتبكِ ممتلئة بالضعف والخوف وعلامات الترقيم والسؤال والحيرة والتردد والاهتزاز أمامكِ مذ سُلبتِ ،غايتي تطويع كل ذلك من أجل كتابة سطر ولو سطر واحد عن وطني .

عادت رسائله الملحة تقتحم خلوتي بقوة من جديد ، تُحدث ضجيجاً صاخباً وإثارة صارخة تربك روحي ، عادة أتردد كثيراً قبل أن أفتح رسائله وأحيانا أتركها لعدة ساعات أو أتركها لليوم التالي ، وعندما أشرع في قراءتها لا أفهم منها شيئاً في المرة الأولى وكأنها طلاسم تحتاج إلى فك وتركيب الحروف من جديد ولذلك أعيد قراءتها عدة مرات وفي كل مرة يتضح جزء من الرسالة إلى أن تكتمل الرؤية ، شيئاً ما أرعبني في رسالته الأخيرة والتي بعثها قبل أن نختلف بأيام ، هذه الرسالة أرعبتني جداً .

  • هل تحسين بالآم متفاوتة في ظهرك ...؟

ظللت أرتجف لمدة طويلة بعد قراءتي لهذه الرسالة ، بدأ رأسي يدور ، غاصت الحقيقة في بئر عميقة وغاص الدمع في حلقي وأحسستُ بأنني متورطة جداً في علاقة مبهمة تزداد غموضاً وغرابة يوماً بعد يوم ، بيد مرتعشة أمسكتُ هاتفي ، فتحت رسالة جديدة ولم أقو على كتابة سوى ثلاث كلمات ، كانت سبابتي ترتعش وهي تضغط الحروف القليلة ، ورغم قلة الحروف التي كتبتها إلا أنني وقعتُ في كثير من الأخطاء الإملائية قبل أن أقوم بإرسالها وأنا أرتجف خوفاً .

  • يا ألهي كيف عرفتَ ذلك .

  • لقد شعرت بيدي اليسرى ترتجف عندما لامست فقرات رقبتك .

أدرك بأنني أحمل مشاعر متناقضة ، متذبذبة غير ناضجة تجاه هذه التجربة الغامضة الغريبة التي تدار في الخفاء بقيادة أطياف مجهولة تتلبسني ، لا أنكر أنني اندفعتُ بجنون ودون تعقل في خوض هذه التجربة المنفلتة من كل المقاييس ، غير الخاضعة لمكان أو زمان أو أبعاد ، لم أفكر ، لم استشير أحد ، لم اسأل ، لم أبحث ، كنت مندفعة برغبة حارقة ، عارمة للكتابة ، كنتُ أنتظر حدوث معجزة ما ، فكرة ما ، زلازل يهز كياني ويجعلني أكتب وأكتب وأكتب دون توقف ، كنتُ أنتظر أن تطرق بابي وتنقر على ستائر نافذتي الكلمات ، تدق جرس الباب ، تقرع أبوابي الحروف ، تشاكسني المواقف ، كنت أنتظر أن تأتي الأفكار من السماء ، تتساقط بغزارة ويسر وتنهمر بشدة ، فجأة حضرت تتهادى من أقرب منفذ ، من هاتفي ، ومن هاتفي جاءت الفكرة في ثوب رسائل غامضة ، لا أنكر بأنني هرعت للاستقبال ، لا أنكر بأنني هرولت للقاء ، ركضت بكل عطش العالم الصحراوي للارتواء إرواء القلب والروح والورق الأبيض الناشف المتعطش .

و احتفيت واحتفلت وفرحت بالولادة المستعصية والمتأخرة للبوح ، ومضيت في تجربتي تقودني الكلمات ، وتجر أبجديتي أذيال القلب خلفها ، وتسحب حروفي عنق الذاكرة للإمام وتروض قصائدي الروح ولا أدري بأنني أرجع القهقري مع حروفي وكلماتي وقصائدي وأنني لا أراهن إلا علي السقوط في الهاوية .

خذلتني التجربة في بداية المشوار ، خسرتني أوراقي التي تلطخت بحبر باهت ، لعنني قلمي الجاف الذي لم يتعود على الشرب من حبر مغشوش ، فضل أن يظل جافاً محتفظاً ببقايا بريق على أن يخسر أصالته بفعل ارتواء كاذب ، خذلتً أبجديتي وفقدتْ قصائدي مصداقية بوح الروح ، كان انسحاب كلماتي.وبقاء قلمي عالقاً متأرجحاً بين الموت والحياة قاسياً وقاضياً علي فمرضتُ ، مرضتُ جسداً وقلباً وروحاً وذاكرة ووطناً .









(10)

غيمة من الانكسار والقهر والخذلان تمطر فوق أسمال الروح من الداخل تظللني وتهمي فوق رأسي وجسدي من الخارج ، تغمرني بالهزيمة والخيبة والإهانة ، مشاعري متضاربة ، لقد أهانتني هذه التجربة ونحتت في الأعماق أثاراً غائرة لن تمحى ، نحتتْ وسماً أبدياً طبعته في كل مكان في داخلي ، تحت الشغاف ، فوق جدران الأوردة وبين تلافيف الشرايين وفي العروق ، يملأ زوايا القلب ويفيض ، في ملامحي وخلف نبرات صوتي ، في رائحة أوراقي ودفاتري ، في مزيج المسك والعطر المتناثر بين ملابسي ، في تفاصيلي من الداخل ومن الخارج ، وسماً يصعب التخلص منه أو تجاوزه ونسيانه ، كنت أرزح تحت ثقل هائل من الشك والندم والريبة .

أرتفع صوت هاتفي معلناً عن وصول رسالة ، رأيت هاتفي يهتز بشدة ولا أدري كيف شعرت في تلك اللحظة بأنها رسالة غضب ، خيل إلى بأن الجهاز يرتجف ويصرخ ويسب ويشتم .

لم أقو على فتح الرسالة في وقتها ، تركتها تنتظر ، قوة روحية خارقة تهمس أن لا أفتح هذه الرسالة بالذات ، أن أتجاوزها ، كنتُ منهكة وموجوعة ، ولا قدرة لدي لتلقي المزيد من الوجع ، كان الوقت متأخراً ، قفلت هاتفي ونمت .

تركتُ الرسالة معلقة ... إلى أن يأتي زمن أخر لا يخيفني فيه شيء ، لا المرض ولا الخوف ، زمن لا يربكني فيه تقدم العمر ، ولا يزعجني برد ولا شتاء ، لا وطن مسلوب فيه ولا إرادة ، لا غياب فيه ولا وداع ، لا ألم ، لا كآبة ولا حزن .

تركت الرسالة معلقة .. حتى يأتي زمن لا انتظار فيه لفرح لا يأتي ولا طوابير ، لا جوع ولا عطش لا خطوات ثقيلة لحذاء ثقيل على الرصيف المقابل ، لا طائرات غريبة تخترق مجال الجو ، لا رصاص مجهول عابث في سماء الوطن ، زمن لا قهر فيه ولا خذلان ، زمن لا أرهن فيه راحتي وصحتي وعمري بين مخالب مسخ غيبي ، لا أرهن فيه قلمي من أجل رواية .

حطمت هاتفي الجوال ، كسرت خطي الهاتفي ، رميتُ حطام المكسورات في البحر وعدت أدراجي .. عدت إلى الوطن .

17-1-2016 م











(11)

28-4-2016 م

- تستمعين إليَّ وتفصلنا مئات الأميالُ أعانقكِ ولا أخش ويلات الأهوال ، وقد تلتهمني فخاخ الجبال ، سألني رفاق عالمي عنك يوماً في لحظة ما وأنا أصارع ألأمي ... تتشبث بها وما الرجاء ..؟ فلتُ قد أرحل ، ستذكرني والعشق بقاء .

وها أنا ذا أعود ، ألملم شظايا هاتفي المكسور ، أشرع أبواب التواصل عن أخرها رغم ما ينتابني من الشك والتردد حيال ما يحدث لي من غموض .

أخذتْ كلماته يتردد صداها في مسمعي .

- سألني رفاق عالمي عنك يوماً في لحظة ما وأنا أصارع ألأمي .

رفاق ؟؟ عالمك ؟؟!! من هم . هل هم أعداء ؟ هل هم أصدقاء .؟

- هم أجنحتي عندما أتوق للتحليق واللقاء ، إلا تشعرين ؟ تحسين نسائمهم ، لأنهم الزاد والعون والوفاء ورب السماء ، أأنتِ تسألين ؟!! بل أنت تعلمين ، أأنتٍ من تسألين ؟ّ!! هل تشكين ؟ّ!!

وجدتني أستنجد بالقران الكريم وأردد

 وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ، ولكن ليطمئن قلبي ... صدق الله العظيم .

أحاول الفهم ، تتبع أشاراته البعيدة ، إدراك المعنى المتخفي خلف كلماته ، الاقتراب بحذر من عوالمه فأنا لستُ آمنة بما يكفي لإطلاق العنان لجنون الأنثى ، لستُ آمنة بما يكفي للاقتراب ولإطلاق سراح حواس الأنثى ، للأنثى مليون حاسة شم ، ولها مليار حاسة تذوق ، لها حواس لمس وتحسس لا تعد ولا تحصى ، لها حاسة بصر ومليون حاسة تبصر وبصيرة ، لها حاسة خفية متعلقة بنبض القلب ولها حاسة تجيش بالغضب لمجرد وسوسة الحدس ، في كل سنتيمتر من جسد الأنثى وروحها حواس لا تقبل العد أو الحساب أو التقصي .

تحولتُ إلى موقع اجتماعي ، أردتُ الحديث إليه مطولاً فالرسائل الهاتفية لا تفي بالغرض ، أردت معرفة كل شيء ، كل شيء ، أبو هيمة وفنون طيرانه ، العرافة واختراقها زنزانته في سجن القذافي ، ثم اختراقها لحجرة العناية المشددة بعد الخروج من السجن .

- علي أبو هيمة أسمي ، هكذا باركتني عرافتي بتنبؤاتها ، تأتي في زنزانتي ، أسمع طرق عصاها العنيف وصوتها الجهوري وقهقهاتها المرعبة ، قم يا علي سأهز عرش من مرغ كبرياؤك

- أكمل يا زين.

- ساءت حالتي في السجن ، أوقفوا عني الدواء ، فكان نزيف دماغي .

- كم لبثت في سجن الطاغية يا زين ؟ وهل تزورك عرافتك دائما.

- لا تقولي طاغية ، هو سليل أشراف .

























(12)

يروج لأساطيره ، يحثني على كتابة أطيافه الناطقة ، أأكتب تحت سيطرته وبإملاء من طيفه وهمس عفاريته وهلوستها ، أأكتب أبجديته بصيغة أنفاسي ؟؟!!

هل أكتب أبجديته وأنثر عليها من بهارات عطري وطيب ذاكرتي وأمزج الخليط بملح روحي ؟

ألهث خلف كلماته ، أطارد رسائله ، أنتظرها ، استقصي المعنى خلف عباراته ، أحاول فك رموز الكلام المفكك ، غير المترابط الذي يصلني وعبره ألتقط كل واردة ، يحاول قلبي مصادقة رسائله

- قصتك قصة ، فضاؤكم مسكون وأنتِ طيبة ، سأعلمكِ كيف تمسكين بالقلم ، تسألين وهو يجيب ، ثم استجلاب الإشارة والدعوة البتارة ، دعوتكِ لا تُرد ، ويدكِ اليسار وتخفيف الآلام ، من يقربك ضاع ، هم معك ، يبترون الأصابع التي تمتد إليك ، ضرباتهم موجعة قاسمة تخلف عاهات ، لديكِ هالة ، مسحة أودعها فيكِ المرحوم والدكِ.

وجدتني أتخبط في سلاسل طلاسمه رغماً عني ، ها هو يحدثني عن نفسي ، دعوتي لا تُرد ؟

يدي اليسار تخفف الآلام ؟ ووجدتني أقهقه ساخرة ، أنا نفسي لم أجرب هذه الأشياء أبداً وهي معي ولم أعلم أن لدي كرامات خاصة مثل كرامات الأولياء الصالحين والأنبياء.

توقظني رسائله في ليل أقضيه قلقة مؤرقة تحت سيطرة أطيافه وعبثهم ، غاضبة ، قاسية تارة ، وتارة طيبة ، هادئة ، حنونة ، تمسح على رأسي ويدي وكامل جسدي ، لطيفة تارة وعنيفة تارة أخرى فلا أملك الرفض أو الاحتجاج ، لا أملك إلا الطاعة والاستسلام ، توقظني رسائله فلا أملك سوى ترديد آيات من القرآن الكريم وقشعريرة باردة تسري في جسدي تحت لمسات أطيافه وهمسهم غير المفهوم ، أندس تحت لحافي السميك وهاتفي المحمول مضبوط على سورة البقرة بصوت " المعيقلي " ، ولكن هيهات ، فهل أطيافه مسلمة تستمع معي لعذوبة القران وسحر آياته وتتدبر معانيه ؟ لا أدري .

عرجنا ذات حديث على السياسة والوطن المهزوم الجريح

- يُستقبل كبطل وهو من الغلمان والليبية الحرة الشريفة تتضور جوعاً ، تُداس شرفا وكرامة وتقيم في المقابر أهذه هي برقة ؟ ، صبراً ما خفي كان أعظم والأيام حبلى بما هو أدهى ، أرى احتكاك مدمر ، وتدخلاً عربياً فاجعاً ، تقسيم ودفوف فتنة ، قرضابية ثانية ، خواء سياسي ، غباء ، أمرهم ليس بأيديهم ، والحكمة محنطة في ثلاجة مغلقة ، عباد أصنام ، يهتفون لخليفة وفلان وعلان ، يجيدون صنع أشباه الآلهة والشتاوة والحجالة والرز باللبن ههههههههههههههه ..فرسان بلا معركة كما قال النيهوم .

يعتقلني ..

يعتقلني جسداً وروحاً ، يحاصرني ، يقيد شيطان الأنثى فيَّ، يحبس طاقتي تارة وتارة يطلقها ، تارة يتركني أعبث ، أعيثُ فساداً في الورق وأكتب دون تبصر ، يخترقني يفرض عليَّ نوعاً آخر من الكتابة ، يعلمني الغوص في عمق الأشياء والخروج بكلمة واحدة لكنها ليست مجرد كلمة أنها هول من الكلام ، ارتداد للمشاعر ثم هجوم للأحاسيس ، توثب وانقضاض ثم تقهقر وانسحاق ، لا أستطيع أن أمسك بممحاة وأقوم بمحو قلبي أو استبدال ذاكرتي ، أو تغيير حياتي وفقاً لأهواء أطياف ، لا أستطيع إلغاء ذاتي أو أبجديتي ، لا أملك مفاتيح شفافية روحي ولا أملك شفرة لقراءة صفاء سريرتي أو نقاء قلبي ، لا يمكن أن أكون تابعا أو أن أكون متبوعا فلماذا دون استئذان مني يخترق جسدي ويحرك مشاعري ، ويزرع فسائل العشق بين مفاصلي ..؟ّ!!


Continue reading this ebook at Smashwords.
Download this book for your ebook reader.
(Pages 1-49 show above.)